ابن قيم الجوزية
286
الروح
وإنما هو نسبة وإضافة بين العلم والمعلوم ، كما نقول في الأبصار أنه ليس بانطباع صورة مساوية للمبصر في القوة الباصرة ، وإنما هو نسبة وإضافة بين القوة الباصرة والمبصر ، وعامة شبههم التي أوردوها في هذا الفصل مبنية على انطباع صورة العلوم في القوة العالمة ثم بنوا على ذلك أن انقسام ما لا ينقسم في المنقسم محال . وقولهم : محل العلوم الكلية لو كان جسما أو جسمانيا لانقسمت تلك العلوم ، لأن الحال في المنقسم منقسم لم يذكروا على صحة هذه المقدمة دليلا ولا شبهة ، وإنما بأيديهم مجرد الدعوى وليست بديهية حتى تستغني عن الدليل ، وهي مبينة على أن العلم بالشيء عبارة عن حصول صور مساوية لماهية المعلوم في نفس العالم ، وهذا من أبطل الباطل للوجوه التي نذكرها هناك . وأيضا فلو سلمنا لكم ذلك كان من أظهر الأدلة على بطلان قولكم ، فإن هذه الصورة إذا كانت حالة في جوهر النفس الناطقة فهي صورة جزئية حالة في نفس جزئية تقارنها سائر الأعراض الحالة في تلك النفس الجزئية ، فإذا اعتبرنا تلك الصورة مع جملة هذه اللواحق لم تكن صورة مجردة بل مقرونة بلواحق وعوارض وذلك يمنع كليتها . فإن قلتم : المراد بكونها كلية أنا إذا حذفنا عنها تلك اللواحق واعتبرناها من حيث هي كانت كلية . قلنا لكم : فإذا جاز هذا فلم لا يجوز أن يقال هذه الصورة : حالة في مادة جسمانية مخصوصة بمقدار معين وبكل معين ، إلا أنا إذا حذفنا عنها ذلك واعتبرناها من حيث هي هي كانت بمنزلة تلك الصورة التي فعلنا بها ذلك ، فالمعين في مقابلة المعين ، والمطلق المأخوذ من حيث هو هو في مقابلة محلة المطلق ؟ وهذا هو المعقول الذي شهدت به العقول الصحيحة والميزان الصحيح ، فظهر أن هذه الشبهة من أفسد الشبه وأبطلها . وإنما أتى القوم من الكليات فإنها هي التي خرجت دورهم وأفسدت نظرهم ومناظرهم ، فإنهم جردوا أمورا كلية لا وجود لها في الخارج ثم حكموا عليها بأحكام الموجودات وجعلوها ميزانا وأصلا للموجودات . فإذا جردوا صور المعلومات وجعلوها كلية جردنا نحن محلها وجعلناه كليا .